يحيي بن حمزة العلوي اليمني
174
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ( 77 ) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) [ الشعراء : 69 - 81 ] ثم قال رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) [ الشعراء : 83 ] ثم أردفه بقوله وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 90 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ( 91 ) [ الشعراء : 90 - 91 ] ثم قال فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ( 94 ) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ( 95 ) [ الشعراء : 94 - 95 ] إلى قوله فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 102 ) [ الشعراء : 102 ] فلينظر إلى هذا الكلام الذي يسكر العقول رحيقه ، ويسحر الألباب تحقيقه ، وهو غاية منية الراغب ، ونهاية مقصد الطالب ، فإنه متى أنعم النظر في مبانيه ، وتدبر أسراره ومعانيه ، علم قطعا أن فيه غنى عن تصفّح الكتب المؤلفة ، وكفاية عن الدفاتر المؤتلفة ، فيما يقصد من معرفة هذا الأسلوب من علوم البلاغة ، وقد اشتمل على تخلّصات عشرة منتظمة نوضحها بمعونة الله تعالى . التخلص الأول هو أنه لما أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بتلاوة نبأ إبراهيم صلوات الله عليه ، وما كان له مع أبيه وقومه من الخصومة والجدال في عبادة الأوثان والأصنام ، صدر القصة بذلك شرحا لصدره وتسلية له فيما يلاقى من قريش ، ثم خرج إلى شرح حال إبراهيم وما جرى له ، فانظر إلى حسن ما رتّب إبراهيم كلامه مع أهل الشرك حين سألهم عما يعبدون سؤال مقرر ، لا سؤال مستفهم ، فأجابوه بما هم عليه من ذلك ، وبالغوا في الجهل والإفراط في الغى ، فقالوا : نعبد أصناما ولقد كان يكفيهم ذلك في الإجابة عما سألهم ، لكنهم تعمقوا تهالكا في الإصرار وتماديا في نفارهم عما دعاهم إليه بقولهم فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ ( 71 ) . التخلص الثاني أنهم لما أجابوه أراد أن يحقق عليهم الأمر حتى لا يكون لهم سبيل إلى الجحود ، فخرج عن ذلك إلى إبطال ما قالوه من عبادة آلهتهم وأنحى عليها من البرهان جرازا مقضبا ، ومن الإفحام كلاما منظما مهذبا ، فصدره بالاستفهام تأدبا منه وملاطفة لهم ، ولم يأت بحجته على جهة القطع منه بها ، كمن ينكر الحدوث في العالم فتقول له هل يجوز عليه التغير ، ولم يقل من أول وهلة إن قولكم هذا باطل لا حقيقة له ، ثم أورد في إبطال إلهيتها أدلة ثلاثة ، أولها أنها لا تسمع دعاء ، ولا تدرك نداء ، لكونها جمادا حجارة صلدة لا حياة لها ولا حراك بها ، ومن هذه حاله فكيف يكون أهلا للعبادة ، وثانيها قوله : أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ لأن